المقريزي
381
إمتاع الأسماع
وعن ابن عباس - رضي الله تبارك وتعالى عنهما - قال : إن أعمى كانت له امرأة تسب النبي صلى الله عليه وسلم فيزجرها فلا تنزجر ، فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي صلى الله عليه وسلم فتشتمه فقتلها ، وأعلم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فأهدر دمها . وذكر حديث أبي برزة الأسلمي . وقال القاضي أبو محمد بن نصر ولم يخالف عليه فاستدل الأئمة بهذا الحديث على قتل من أغضب النبي بكل ما أغضبه أو أذاه أو سبه . ومن ذلك كتاب عمر بن عبد العزيز - رضي الله تبارك وتعالى عنه - إلى عامله بالكوفة ، وقد استشاره في قتل رجل سب عمر فكتب عمر : إنه لا يحل قتل امرئ يسب أحد من الناس إلا رجلا سب النبي صلى الله عليه وسلم ، فمن سبه فقد حل دمه . وسأل الرشيد مالكا في رجل شتم النبي صلى الله عليه وسلم وذكر أن فقهاء العراق أفتوه بجلد ، فغضب مالك وقال : يا أمير المؤمنين ! ما بقاء الأمة بعد شتم نبيها ؟ من شتم الأنبياء قتل ، ومن شتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جلد . قال القاضي أبو الفضل : كذا وقع في هذه الحكاية غير واحد من أصحاب مناقب مالك ومؤلفي أخباره ، وغيرهم ولا أدري من هؤلاء الفقهاء بالعراق الذين أفتوا الرشيد بما ذكر ؟ فقد ذكرنا مذهب العراقيين بقتله ولعلهم ممن لم يشهر بعلم أو من لا يوثق بفتواه ، أو يميل به هواه ، أو يكون ما قاله يخمل على غير السب ، فيكون الخلاف : هل هو سب أو غير سب ؟ أو يكون رجع وتاب عن سبه فلم يقله لمالك على أصله ، وإلا فالإجماع على قتل من سبه كما قدمناه . ويدل على قتله من جهة النظر والاعتبار من سبه أو نقصه صلى الله عليه وسلم فقد ظهرت علامة مرض قلبه ، وبرهان سر طويته وكفره ، ولهذا ما حكم عليه كثير من العلماء بالردة وهي رواية الشاميين عن مالك والأوزاعي ، وقول الثوري وأبي حنيفة والكوفيين . والقول الآخر : أنه دليل على الكفر فيقتل جدا ، وإن لم يحكم له بالكفر إلا أن يكون متماديا على قوله غير منكرا له ، ولا يقلع عنه ، فهذا كافر .